الكرة السعودية

رحيل “رفيق العلماء”.. عبد الكريم المقرن يودّع الأثير بعد 40 عاماً من الإذاعة

“`html

في صمتٍ مهيب، خيّم الحزن على أروقة الإعلام السعودي، مع نبأ وفاة المذيع القدير عبد الكريم بن صالح المقرن، السبت الماضي، عن عمر ناهز السبعين عاماً. المقرن، الذي قضى أربعة عقود يربط بين حكمة العلماء ووجدان المستمعين عبر إذاعة القرآن الكريم، رحل تاركاً وراءه إرثاً إعلامياً ودينياً غنياً، ومسيرةً حافلةً بالوفاء والتقدير لكبار علماء المملكة.

لم يكن المقرن مجرد مذيع يقرأ الأسئلة، بل كان جسراً يربط بين حيرة السائل وحكمة العالم، منذ أن تخرج في أول دفعة لقسم الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عام 1405هـ، لتبدأ رحلة جعلت منه “رفيق العلماء”. كان صوته الرخيم، الذي يستهل به اللقاءات بعبارته الشهيرة “الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على قائد الغر المحجلين”، إشارة انطلاق لمجالس العلم التي تجاوزت حدود الجغرافيا، لتستقر في وجدان المستمعين من شتى الأصقاع.

وتعود جذور مسيرة المقرن الإعلامية إلى فترة حرجة، بعد وفاة المذيع سليمان الشبانة، حينما تسلم راية التقديم مع سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز، وقرأ عليه كتاب “المنتقى” للمجد ابن تيمية في جلسات شرح وتعليق، سجلت أدق تفاصيل العمل الإعلامي المتخصص. ثم مضى أربعة عشر عاماً في رحاب الشيخ محمد بن صالح العثيمين، موثقاً تلك التجربة العميقة في كتابه الشهير “14 عاماً مع ابن عثيمين”، الذي لم يكن مجرد سيرة ذاتية بقدر ما كان توثيقاً لمنهجية التعامل مع الكبار.

وعُرف المقرن في كواليس العمل الإذاعي بدقته المتناهية وحرصه على السمت والوقار، وهو ما جعله الخيار الأول للعلماء مثل الشيخ صالح بن غصون والشيخ عبدالعزيز آل الشيخ. تحولت علاقته بهم من مجرد محاور رسمي إلى تلميذ ومؤرخ لمواقفهم الإنسانية التي دونها في مؤلفاته، حتى أنه كان يحرص في حواراته القليلة على التأكيد بأن المذيع الناجح هو من يذوب في حضرة العالم ليبرز الفائدة لا ليبرز نفسه.

ورغم رحيله عن عمر ناهز السبعين عاماً، قضى أواخرها في صراع صامت مع المرض، دون أن تفارق مخيلته تلك الليالي التي كان يصدح فيها صوته بالحق، مرشداً للحائرين ومعلماً للجاهلين. صُلي عليه بعد صلاة العصر في جامع الراجحي بالرياض، لينهي بذلك مسيرةً توقفت فيها الأنفاس لكن صداها سيبقى يتردد في أروقة الذاكرة الإعلامية السعودية. ويبقى السؤال: من سيملأ فراغ “رفيق العلماء” في أروقة إذاعة القرآن الكريم؟

“`

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى