سوق الانتقالات بنسخة رقمية.. حين تصنع “اللايكات” قيمة النجوم
لم يعد سوق الانتقالات حكراً على ما يحدث داخل المستطيل الأخضر، بل أصبح مرآة لتحولات أعمق فرضها العصر الرقمي، حيث دخلت “اللايكات” وعدد المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي بقوة في حسابات الأندية عند تقييم اللاعبين وإبرام الصفقات. في كرة القدم الحديثة، لم تعد الأرقام الفنية والأهداف وحدها كافية لتحديد القيمة السوقية، إذ بات الحضور الإعلامي والانتشار الرقمي عنصرين لا يمكن تجاهلهما، خاصة في ظل تحول اللعبة إلى صناعة عالمية تشكل فيها العائدات التجارية ركيزة أساسية لميزانيات الأندية.
اللاعب.. موهبة كروية ومنصة رقمية تحولت منصات مثل إنستغرام وتيك توك وإكس إلى واجهات شخصية للاعبين، تفوق أحياناً في تأثيرها القنوات الرسمية للأندية. ويبرز كريستيانو رونالدو كأوضح مثال، بعدما تجاوز عدد متابعيه على إنستغرام 600 مليون متابع، ما يجعله قوة إعلامية تفوق كثيراً مؤسسات كروية عريقة. هذا الحضور الرقمي الواسع غيّر نظرة الأندية للاعب، إذ لم يعد التعاقد معه صفقة رياضية فقط، بل استثماراً في جمهور عالمي، ورعاة محتملين، وخطوة تساهم في انتشار فوري للعلامة التجارية للنادي.
ريال مدريد يحسم صفقة ذكية بـ10 ملايين يورو فقط انتقال رونالدو إلى يوفنتوس عام 2018 شكل نموذجاً لافتاً، بعدما شهد النادي الإيطالي قفزة كبيرة في مبيعات القمصان وعدد المتابعين خلال أيام قليلة من إتمام الصفقة. كما تسير دوريات صاعدة، مثل الدوري السعودي والقطري، على النهج ذاته، مستفيدة من التعاقد مع نجوم عالميين لتعزيز الحضور الدولي وفتح أسواق جديدة، إلى جانب رفع مستوى التنافس الفني. وفي هذا السياق قال بيدرو بينتو، المدير السابق للاتصال بـ”يويفا” في تصريحات لـ”فوت ميركاتو” الفرنسي: “وسائل التواصل الاجتماعي لم تعد أدوات تسويقية فقط، بل تستخدم للتفاوض مع اللاعبين وجذب جماهير جديدة، شرط أن يكون اللاعب قيمة مضافة داخل الملعب”.
لم يعد الحضور الرقمي تفصيلاً ثانوياً في المفاوضات التعاقدية. عدد المتابعين، ونسبة التفاعل، والانتشار الجغرافي، أصبحت مؤشرات تؤخذ بعين الاعتبار عند تحديد قيمة اللاعب وشروط عقده، خاصة فيما يتعلق بحقوق الصورة والمكافآت التجارية. وتشير دراسات تسويقية في الدوري الفرنسي إلى تفاوت كبير في القيمة التجارية لكل مشجع، إذ تصل لدى أندية مثل أوكسير إلى 1.56 يورو للمشجع الواحد، مقابل 0.41 يورو فقط لدى باريس سان جيرمان، ما يعكس أهمية جودة التفاعل وليس فقط حجم الجمهور. وفي هذا السياق، يرى خبراء في الاتصال الرياضي أن تأثير الصورة الرقمية قد يصل إلى 10 أو 20% من القيمة السوقية للاعب.
وفي سياق متصل، شهدت قيم عدد من اللاعبين ارتفاعات ملحوظة في الفترة الأخيرة، حيث ارتفعت قيمة ألكسندر إيزاك بعد انتقاله لليفربول بنسبة 86.7% لتصل إلى 140 مليون يورو، بينما ارتفعت قيمة مايكل أوليز بنسبة 100% لتصل إلى 130 مليون يورو. كما شهد نيك فولتيماده ارتفاعاً كبيراً في قيمته بنسبة 766% لتصل إلى 65 مليون يورو، في حين ارتفعت قيمة دين هويسن بمقدار 52 مليون يورو لتصل إلى 70 مليون يورو، وارتفعت قيمة ديزيري دوي بنسبة 125% لتصل إلى 90 مليون يورو.
تشير المعطيات إلى أن نحو 65% من الفئة العمرية بين 16 و24 عاماً يتابعون محتوى كرة القدم عبر الإنترنت، كما يمكن للاعب أن يحقق من منشور واحد على إنستغرام مئات الآلاف أو حتى ملايين الدولارات، حسب شعبيته وعدد المتابعين. في ظل هذا الواقع، يتجه عالم كرة القدم نحو نموذج جديد للاعب، يجمع بين الموهبة الرياضية والقدرة على إدارة حضوره الإعلامي. أما الأندية، فتبقى مطالبة بتحقيق توازن دقيق بين الاستثمار الرقمي والنجاح الفني. سوق الانتقالات لم يعد يدار فقط بالأهداف والتمريرات، بل أيضاً بالإحصائيات الرقمية والتفاعل الجماهيري، في مشهد يؤكد أن كرة القدم الحديثة تلعب اليوم على العشب الأخضر.. وعلى شاشات الهواتف الذكية في آن واحد.



