من خط البلدة إلى السوبر الإسباني.. كيف تحرّك حافلات النقل ذاكرة جدة؟
# من خط البلدة إلى السوبر الإسباني.. كيف تحرّك حافلات النقل ذاكرة جدة؟
في جدة، لا تبدأ كرة القدم عند صافرة الحكم، ولا تنتهي بخروج الجماهير من المدرجات.. هي حكاية مدينة تتحرك مع الحدث، وتعيد إنتاج ذاكرتها بوسائل أكثر نضجًا وتنظيمًا. فقبل عقود، كان مشجعو جدة يعرفون جيدًا ما يُسمّى خط البلدة.. حافلات بسيطة، محطات وصول محدودة، ومسارات غير معلنة لكنها محفوظة في الذاكرة الجمعية. يصعد المشجع من موقع انتظاره، ليصل إلى نقطة معروفة، وربما استقل حافلة أو اثنتين أو ثلاثاً، حتى يبلغ ملعب الصبان الأقدم بين ملاعب المملكة. لم تكن الرحلة مريحة دائمًا، لكنها كانت جزءًا من طقس الذهاب إلى المباراة؛ رحلة جماعية تختلط فيها الألوان والهتافات قبل الوصول إلى المدرج.
اليوم، تعود الفكرة ذاتها، ولكن بلغة مختلفة مع استضافة جدة كأس السوبر الإسباني. فشركة مواصلات جدة المملوكة لأمانة محافظة جدة لا يكتفي بدعوة المشجع لاستخدام الحافلات التي ستنقله بسهولة من وإلى ملعب مدينة الملك عبدالله الرياضية، بل تعرض نموذجًا متكاملًا للحركة. الخريطة واضحة، نقاط الصعود موزعة بعناية على المراكز التجارية والمحاور الرئيسية، وجداول زمنية دقيقة تضمن رحلات منتظمة قبل وبعد المباراة، بإشراف ميداني يراعي تدفق الجماهير وسلامتهم.
هذا التحول لا يمكن قراءته بمعزل عن رؤية النقل العام في جدة. فالمدينة التي كانت تعتمد على الاجتهاد الفردي في التنقل إلى المباريات، أصبحت اليوم تقدم نموذجًا حضريًا منسجمًا مع مكانتها كوجهة عالمية للفعاليات الرياضية والثقافية والترفيهية. النقل لم يعد مجرد وسيلة وصول، بل جزء من التجربة، ومن صورة المدينة أمام زوارها. وتبرز هنا أمانة محافظة جدة، عبر ذراعها التشغيلي مواصلات جدة، كلاعب رئيس في صناعة هذا المشهد؛ ليس فقط بتوفير الحافلات، بل بإعادة تعريف العلاقة بين الحدث والمدينة، وبين الجمهور والمكان.
وفي السابع من يناير 2026، ستشهد مدينة الملك عبدالله الرياضية مواجهة نارية بين برشلونة وأتلتيك بلباو في نصف نهائي كأس السوبر الإسباني. برشلونة، الأكثر تتويجًا بهذه البطولة برصيد 15 لقبًا، سيواجه أتلتيك بلباو الذي يملك 3 ألقاب. المباراة التي ستنطلق في تمام الساعة العاشرة مساءً بتوقيت مكة المكرمة، وتنقل عبر تطبيق “ثمانية”، ليست مجرد لقاء كروي، بل هي تجسيد لرؤية جدة كمدينة عالمية قادرة على استضافة كبرى الأحداث الرياضية.
الحدث العالمي لا يُقاس بما يجري داخل الملعب فقط، بل بكيفية وصول الناس إليه، وخروجهم منه، وانطباعهم عن المدينة ككل. بين خط البلدة بالأمس، وحافلات جدة المتطورة اليوم، مسافة زمنية طويلة، لكنها تحمل فكرة واحدة: كرة القدم في جدة كانت وستظل حدثًا جماعيًا، تتحرك له المدينة، وتعيد صياغته بما يليق بحاضرها وطموحها. هكذا تستقبل جدة السوبر الإسباني؛ بذاكرة تعرف الطريق، وحاضر يعرف كيف ينظّمه، ومستقبل يراهن على نقل عام يواكب مدينة عالمية.


